
كان مشهد كسرِ الزنازين في سوريا، مع سقوطِ النظام السوري، واحدًا من أكثر المشاهد امتلاءً بالدلالة والتأثر الوجداني والتاريخي في حياة السوريين. هناك مصطلح رائج بأنَّ سوريا كلها سجن كبير، هذا لم يكن دقيقًا بما يكفي. فهناك بناء، ومساحة سجن، وغرف، وأقبية، ومراكز أمنية. كلمة السجن وحدها ليست كافية، سواء عن سوريا أو حتى عن سجونها. في سوريا مجتمعٌ مقموع وممنوع من اجتماعه، وسجون تتجاوز معنى السجون، لأنها ليست شيئًا مضافًا أو لازمًا إلى الدولة ولا جزءًا عاديًا منها، لم تكن السجون أبدًا ظهورًا من مظاهر الدولة فقط.
إنْ أخذنا تفريق دريدا بين الـ ergon والـ parergon، بين الشيء وإطاره، يظهرُ ارتباك السجن السوري في تعريف الدولة وواقع الحياة السورية في الخمسين عامًا الماضية. السجن في نظام الأسد ليس إضافةً خارجية إلى الدولة، كأنَّ هناك دولة أولًا ثم سجنًا يُستعمل عند الضرورة والحاجة والسياق، ولكنه أيضًا ليس جوهرها المعلن. إنه الإطار الذي يبدو على الحافة التي لا يُمكن تعيينها، في القبو والفرع والمركز الأمني، لكنه كذلك يدخل في معنى الدولة ويعيد تعريفها بأنها ثنائية هشة ولا يمكن جعل التماسك فيها ممكنًا. الدولة تقول عن نفسها إنها مؤسسات ومدارس ومستشفيات ومكاتب قانونية وجيش ودوائر إدارية، لكن السجن كان الإطار الخفي الذي يجعل هذه الأشياء تعمل تحت الخوف وفوق أي وعي. لذلك يضيع الحد، هل السجن أداةٌ للدولة أم أصل من أصولها؟ مع النظام السوري الأسدي يرتبك التعريف.
هذه السجون أقرب إلى مراكز إبادة باردة وبطيئة، لها علاقة بجسد المجتمع كله، بالدخول في نسيج علاقاته، وبإبادة تقوم على التصوير، والاختفاء، والمتاجرة بالمعلومة، وانتظار العائلة، وتعليق الحياة. السجن لم يكن مكانًا مغلقًا مسَّورًا، بل كان راهِنيةً اجتماعية وسياسية واقتصادية. أي مفاوضات بين النظام والمعارضة كانت تحملُ سؤال السجون والمعتقلين. حرَجُ السجن صار موقعًا تتجمع فيه علاقة النظام بالبلاد والعالم، وعدم تنازل النظام عن أي تفصيل سياسي أو إداري. حتى أنَّ النظام حُصِر باسم صوَر سجنه، قانون قيصر، عقوبات البلاد ارتبطت بقضيةٍ سجْنية مضافٍ إليها ملفات أساسية كالكبتاغون وقضية اللاجئين، سجنه كان خادمًا له وعبئًا عليه. النظام أباد وراكَمَ الاختفاء إلى حد جعل السجن يبدو أحيانًا كأنه البلاد، رغم أنَّ هذه العبارة تحتاجُ إلى حذر مفاهيمي.
قانون قيصر هو البرهان الأكبر لخروج السجن من كونه تفصيلًا شكليًا في حياة النظام، بل كان مادته الأشد قابلية لأن تتحول إلى اتهام دولي أممي أنهكَ النظام وفضحَ فظاعة دعمه. العقوبات لم تولد من صورة النظام المعلنة ولا حرب الإبادة، أو من خطاب الدولة والسيادة والمؤسسات، بل من حياته المخفية، من الجهة السجْنية التي حاول أن يبقيها تحت الأرض وخافية. الصوَر المهربة نقلت السجن من القبو إلى القانون. الأمر المفارق أنَّ النظام وثَّق موته بنفسه بارتكابه السجْني. قانون قيصر لم يعاقب النظام على واقعة واحدة، بل على عالم السِجْنية الكامل الذي ظهر دفعة واحدة من خلال الصوَر.
كان للسجن اقتصادٌ جانبي أيضًا: ابتزاز، وبيع أخبار، ووعود بزيارة أو إفراج أو معرفة مصير، وصولًا إلى أحاديث غير مؤكدة عن تجارة أعضاء. وهناك مراكز أمنية يقال إنَّ كل سوري زارها بشكلٍ ما، في جسده، في مخيلته، في روحه، في رُفاتِه في نهاية حياته، وفي تفكير الأم والأخت والأب والعائلة. إنها دلالاتٌ مفصلة، لكنها غير مدروسة، ومداها بعيد جدًا.
السجن السوري ذاته ليس مكانًا لإعدام السياسة فقط، بل كان أحيانًا أحد الأمكنة التي أعادت إنتاجها في صوَر أشد تطرفًا.السُلطة التي سجنت خصومها لتمنعهم من أي فاعلية أو تنافُس داخل بُنية اجتماعية، جمعَت بينهم، وصنعت شروط التعارف والتنظيم والتشدد والسياق المتوقع لتجربتهم، ثم أعادَت بعضَهم إلى المجتمع بعد سنوات.
السجن ينتج، إلى جانب الجسد المكسور والمختفي، خصومًا جددًا يحملون أثرًا في تصورهم للعالم وفي أشكال عنفهم. إنه تناقضُ الدولة التي أرادت إلغاء الخصوم بوضعهم في سياقٍ ما، فساهم جهازُها السجْني نفسه في إنتاج بعض القوى التي ستعود لاحقًا لمحاربتها.
كثير من السجن السوري يعمل كأصل لا يُرى مباشرة، ولا يظهر إلا بعد نتائجه التي عرفناها مع كسر السجون، بعد الأجساد التي خرجت أو لم تخرج، والعائلات التي انتظرت، والسياسة والمنظمات والمليشيات التي ظلت معلَّقة على ملف المعتقلين، وبعد مجتمع تعلَّم أنْ يفكر في نفسه من خلال احتمالات الغياب والانتقام والفقد والنسيان. هناك عائلات قُتل أولادها وبقيت في أحيائها دون دفنهم أو الحصول على التعزية. لذلك لا يمكنُ تعريف السجن إلا من خلال ما خلَّفه. النتيجة اليوم تعود إلى الخلف وتكشف أصلها: لم يكن السجن تفصيلًا داخل النظام، بل إحدى صوره العميقة التي لم تحصل على معناها الكامل إلا بعد أنْ انكسرت أبوابه وظهرت آثاره.
هناك تفرقة تضيع بين يومياتنا القديمة والجديدة. سائق التاكسي ما زال يحتفظُ بأماكنه المعلومة بوصفها أمكنة أمنية، فأثر الأسد المكاني ما زال قائمًا. كسرُ الزنازين كان الجانب الأسهل والأوضح، حشودٌ اقتحمت السجون، لكنَّ السائق أكثر التصاقاً بالأمكنة في يومياته، ومضطر إلى حفظها من أجل الزبائن، لذلك تشكِّل ذاكرته مع ذاكرة الناس أسماء المدينة وأماكنها وتغيراتها.
هذا لا يشبه شيئًا مألوفًا: خرَج آلاف السجناء من سجون الأسد ودخل إليها مئات الآلاف من الباحثين والزوار. الأكثر تعقيدًا أنَّ السجن لم ينته مع تحطيمه، فهناك سجْنية باقية. تحدَّث تحقيق لـ«رويترز» عن عودة ما لا يقل عن ٢٨ سجنًا ومركز احتجاز من عهد الأسد إلى العمل خلال السنة التي تلت سقوط النظام، بينها سجون مركزية وفروع أمنية ومراكز احتجاز مؤقتة. ووثَّقت الشبكة السورية في الربع الأول من ٢٠٢٦ ما لا يقل عن ٢١٠ حالات اعتقال تعسفي واحتجاز، بينها ١٢٢ حالة على أيدي قوات الحكومة السورية.
والأكثر تعقيدًا أنَّ السُلطة الجديدة اقتصرَ عملها على سجون النظام، لكنها أبقت سجونًا لا يُعرف عنها الكثير، أنشأتها قوى قاتلت النظام الأسدي وأدارَتها في مناطق سيطرتها، وبعضُها استمر أو بقي مجهولًا، أشهرها سجون الهيئة وسجن التوبة التابع لجيش الإسلام. لذلك لا يتعلق الأمر ببقاء أبنية سجْنية قديمة فقط، بل باستمرار السجن بوصفه طريقةً في الحكم تتنقل بين السلطات والجماعات، وتسبق أحيانًا المؤسسة التي ستدخل إليها لاحقًا.
خرَج السجن من صورته الأسدية الصريحة جريحًا من معناه. ما بدا أنه انكسر بقي ممكنًا داخل الإدارة والخوف والذريعة الأمنية وبقايا الفروع وأماكنها. حافظَ السجن على شيء من رهبته. دخل السوريون هذه السجون بأعداد كبيرة بعد سقوط النظام، لكنها لم تُمحَ من المكان، ولا نملك رؤية استراتيجية وأرشيفية لها. نُهب بعضها وفُتش وصُورت وثائقه، بينما بقيت أبنيتها قائمة كأجسام ثقيلة. ما نُفي أو كُسر لم يغادر تمامًا، بل انتقل إلى اللغة والمقابر الجماعية والخرائط وأسماء المراكز وذاكرة الناس. بقيت خرائط الموت الممتد.
سقوط النظام كسر مركزية السجن الأسدي كرمز صريح، لكنه لم يمحِ أثره. أُلغي الشكل العمومي الكبير لسُلطة جعلت السجن جزءًا عضويًا من حكمها، لكن بقاء الأبنية والأسماء والإدارة الأمنية كمواد قابلة للدلالة أو إعادة الاستعمال يخلق مأساة أخرى. لذلك لا يصح القول إنَّ السجن بقي كما كان زمن الأسد، ولا إنه انتهى تمامًا. لقد صار على ضفاف أخرى من السوء وصعوبة التعريف.
ما جرى أنَّ النفي لم يكن كاملًا، ولم توضع له خطة. وخطة النفي لا تعني محو البناء أو الانتقام من الحجر، بل إخراج هذه الأمكنة من قابليتها القديمة للاستعمال بالطريقة نفسها. كان يجب أنْ يصير لكل مبنى مصيرٌ معلن: ما الذي يُغلق، وما الذي يُحفظ كأرشيف، وما الذي يتحول إلى موقع شهادة تربوية وقانونية. فالمكان قد يعود من أثريته إلى تموضعه القديم، ويبقى قادرًا على العمل بعد سقوط صاحبه المؤسِس. اشتغلت «أمم للتوثيق والأبحاث» على السجن كجزء من الذاكرة السياسية السورية في مرحلة الثمانينيات وعلى المكان نفسه، وأعادت رابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا بناء السجن من روايات الناجين وتفاصيل الحياة والإدارة والموت داخله.
بقاء السجن مشكلة تمثيل وتسمية أيضًا. اسم المكان يصنع علاقته بالناس وتموضعه العمراني والمعرفي. في حمص مثلًا، ما زالت منطقة المحطة التي كانت تجمع فروع الأمن السياسي والعسكري في زمن نظام الأسد تمثل المربع الأمني، وهناك سخرية لاذعة في تغيير الأسماء المرافقة للفروع الأمنية.
المكان الأمني لا يبقى لأنه محفوظ في خريطة المدينة فقط، بل لأنه يدخل في تشكيل الذات التي تعيش حوله، بوعيها وخوفها وما تضمره. من هذا يمكن فهم المدينة السورية كمدينة ذات طبقات متناقضة: سوق وفرح وشاطئ ومدرسة وحي قديم، وفي داخل هذا كله مكان أمني يزاحِم اليوميات ويعيد ترتيب المدينة من حوله.
الفارق اليوم أنَّ المكان الأمني مسكونٌ حتى لو خلا من عناصره السابقة. يكفي أنْ يكون سجنًا سابقًا أو مكانًا من أماكن نظام الإبادة كي يحتفظ بإمكانية التكرار، خصوصًا أنه لم يخضع لإعادة تأسيس جدية. لم يتحول إلى مدرسة أو مركز عدالة أو مكان حوار أو متحف ذاكرة أو فضاء عام يعيد للناس حقهم في تسمية ما عاشوه. بقي مكانًا قابلًا لأنْ يستدعيَ وظيفته القديمة ولو تغيرت الجهة التي تقف عند بابه.
بمقاربة أخرى ومشابهة ممكن الاستفادة من مفهوم الجهاز عند فوكو، الـ dispositif، لفهم السجن خارج معناه المكاني المباشر. السجن ليس بناءً للاحتجاز فقط، بل شبكةً تجمع المكان والإدارة والتصنيف والمعرفة الأمنية والإجراءات وطرق التعامل مع الجسد. وهذه العناصر يمكن لبعضها أنْ يعمل حتى بعد خروجها من المؤسسة التي رتبتها وجمعتها.
يمكن إضافة مصطلح آخر لفهم امتداد الحياة السجْنية في سوريا: السجْنية الميدانية. لا أقصد بها محكمة ميدانية عسكرية، ولا أنَّ السجن خرجَ إلى العالم الخارجي كاستعارة سهلة، ولا أنَّ كل مكان صار سجنًا بالمعنى نفسه. المقصود أنَّ منطق السجن، بوصفه مركز إخفاء وإبادة وطمس، صار قادراً على العمل ميدانياً عبر عناصره، خارج الزنزانة والفرع والقبو وغرف الإبادة والطبابة الإبادية. لم يعد يحتاج دائمًا إلى بناية مغلقة كي يظهر. صار يظهر في الحملة العسكرية، والحاجز، والمداهمة، والطريق، والبيت، والمجزرة. نحن أمام فائضٍ سجني، أي امتداد ميداني لمنطق الإخفاء والإبادة بعد خروجه من مؤسسته المغلقة والمنظَّمة.
السجْنية الميدانية أوسع من المجزرة بوصفها فعلًا استجوابيًا فقط، كأن يسأل مسلحٌ تابع للنظام الحالي أعزلَ عن هويته تحت الكاميرا، ثم يقتله بناء على جواب أو علامة إثنية أو طائفية. وهذا يتكرر في سوريا مهما تغيرت السلطة. صحيح أنَّ الاستجواب حاضر فيها: سؤال الاسم والطائفة والقرابة والحي والارتباط واللهجة والعمل والولاء، لكن المسألة لا تقف عند السؤال والجواب. هناك أمر، أو ما يشبه الأمر، يأتي من جهة أعلى أو من فيْضِها.
هناك لباس رسمي أو شبه رسمي يمكن التعرُّف عليه، وقوة تحمل اسم الأمن أو تتحرك تحت ظله، وقرار إداري وعشوائية في الوقت نفسه، وعناصر ذائبون في إيديولوجيا بما يكفي ليرتكبوا. هناك تدقيق مكاني واجتماعي سريع، ثم تصرُّف بالجسد، ثم محاولة محو أو دفن أو ترتيب للأثر. كأنَّ السجن ينتقل إلى الخارج عبر جهازه المصغَّر كله: الفرز والتهديد والتنفيذ والتوثيق والإنكار وإدارة الجثة بعد القتل.
في السجن القديم كان الجسد في زمن الأسد يؤخذ إلى الداخل، إلى حيز مغلق له أبوابه وممراته وغرف انتظاره. في السجْنية الميدانية لا يؤخذ الجسد دائمًا إلى الداخل، لأنَّ الداخل نفسه ينتشر في الخارج عبر عناصر أبسط وأسرع، وهذا ما شهدناه في زمن السُلطة الجديدة.
وهذا أيضًا ما فعله النظام كثيرًا في مجازره خارج المؤسسة السجْنية. الشارع يصير ممرًا إلى التحقيق وفق رؤية مسبقة، والبيت والحاجز والسيارة والدراجة النارية أماكن تدقيق وإطلاق نار. لا يبقى الفرق بسيطًا بين السجن والمجزرة، لأنَّ المجزرة تحمل أحيانًا بُنية سجْنية: تسأل، تدقق، تفرز، تعاقب، تصورٍّ، ثم تحاول أنْ تنظِّم ما فعلته أو تخفيه.
هذا ما يجعل بعض المجازر في تاريخ سوريا أكثر من علامة على القتل أو الاستعداد للإبادة. في البيضا والحولة والتضامن، كما في مجازر الساحل والسويداء في الزمن الجديد، لا تتكرر الوقائع بالطريقة نفسها ولا تتساوى السلطات والظروف والأدوات، لكنها تُكشف سياقات متشابهة إلى حد ما: قوة مسلحة أو أمنية أو شبه أمنية، لغة ضبط، دخول إلى المكان، سؤال سريع، فرز اجتماعي، قتل أو إذلال، تصوير أو تداول للصورة، ثم محاولة دفن الأثر أو السيطرة على روايته. هذا هو الفائض الذي لا يشرحه مفهوم المجزرة وحده. المجزرة تعمل أحيانًا كإدارة ميدانية للموت أقل منهجية من عملية الإبادة في السجن.
السجْنية الميدانية تجمع بين النظام والفوضى. تبدو عشوائية لأنها تحدث بسرعة في الشارع وبين مسلحين وحواجز وأوامر متضاربة، لكنها تحمل علامات تنظيم: لباس، شارة، اسم أمني، سيارة، حملة، توريق، قوائم، منع مرور، ومحاولة ضبط للرواية. هذه المنطقة بين العشوائي والإداري تجعلها شديدة الخطورة. القتل يبدو منفلتًا، لكنه يتكلم بلغة السُلطة، والتصرف يبدو ميدانيًا، لكنه يستعيرُ رعب الفرع.
لهذا لا يكفي أنْ نقول إنَّ السجن بقي في الأبنية والأثر. بقي أيضًا كطريقة في التعامل مع المكان. حين تدخل قوة إلى حي أو قرية وتتعامل مع الناس ككتلة قابلة للفرز، لا كأفراد لهم حق، يعود المنطق السجْني. وحين يصبح الاسم أو الانتماء أو اللهجة أو مكان السكن قرينةً كافية للخطر، تتحول الحياة الميدانية إلى تحقيق مفتوح. لا يكون المواطن صاحبَ حق أمام سلطة، بل جسدًا مطلوبًا منه أنْ يجيب بسرعة أمام قوة تملك وقتًا قصيرًا وسلاحًا طويلًا.
يمكن فهم هذا الفيض من منطق التضايف. السجْنية الميدانية ليست خارج السجن تمامًا، وليست جزءًا داخليًا منه بالمعنى الضيق. إنها ملحقُه الذي يستحيل فهم داخله دون خارج، وخارجه دون داخله. القتل خارج السجن يبدو زائدًا على المؤسسة السجنْية، لكنه يكشف أنَّ السجن لم يكن مكتفيًا بجدرانه. السجن السوري احتاج دائمًا إلى خارج يعمل معه، والفائض السجْني إضافة متضايفة تكشف حاجة المؤسسة السجْنية إلى ميدان وأحياء تمدها بالمعنى والرعب.
من هذه النقطة تظهر الاستحالة: لا نستطيع أن نقول إن المجزرة سجن، ولا إنها خارجه تماماً. لا تملك زنزانته، لكنها قد تحمل منطقه. السجْنية الميدانية تقيم على هذا الحد بين الداخل والخارج. لا تلغي الفرق بين السجن والمجزرة، بل تكشف استحالة أنْ يبقى الفرق صافيًا في سوريا. هناك ميدان يعمل كملحق للسجن، وسجن يفيض منه منطقه إلى الميدان.
الفارق أنَّ النظام الأسدي مأْسَسَ الإبادة قبل أنْ يفيض بها إلى الخارج. بنى للسجن مركزًا كاملًا وتوريقًا ومأسسة متتالية، فكان السجن مؤسسة للإخفاء قبل أنْ يكون فائضًا ميدانيًا. المجزرة، حين تقع، لا تأتي من فراغ، بل من دولة تدربت طويلًا في حماة ولبنان على تحويل الإنسان إلى رقم وملف وورقة وتوقيع وجسد موقوف ومعلومة قابلة للبيع أو المحو. لذلك كان الخارج امتدادًا لمركز داخلي شديد الرسوخ والاحتراف. أما النظام الحالي، ففي مجزرتين مرتكبتين صنعَ الخارج قبل أن يصنع نظامًا خاصًا به.
في الزمن الجديد يظهر الخطر بطريقة مختلفة. لسنا أمام مأسسة سجْنية مكتملة كالتي صنعها النظام السابق، بل أمام استعمال لفائضها: أدواتها ورعبها ولغتها وطرائقها السريعة في الفرز والتدقيق والتصرف بالجسد. السُلطة الجديدة لا تحتاج إلى بناء السجن الأسدي كله كي تستعيد شيئًا من منطقه. يكفي أنْ يعمل الأمن قبل القضاء، وأنْ يتحول المكان إلى مساحة تدقيق، وأنْ تصبح الجماعة كتلة قابلة للفرز، وأنْ يتبع القتل دفنٌ سريع أو إنكار أو ضبط للرواية. لا تتكرر المؤسسة القديمة كما كانت، بل يعود فائضها في الميدان، أخف بنية وأسرع حركة وأشد التباسًا بين النظام والفوضى.
بعد سقوط النظام يصبح هذا المفهوم أكثر ضرورة. الخطر لا يكمن في عودة السجون وحدها، بل في عودة السجْنية كمنطق عمل: أنْ يستمر الأمن قبل القضاء، وأن تبقى المراجعة قبل الحق، وأنْ يكون المكان القديم قابلًا للاستعمال، وأنْ تظهر عمليات قتل تحمل شيئًا من التحقيق والفرز والتصوير ومحاولة الدفن. السلطة الجديدة لا تختبر اختلافها عن النظام السابق بإعلانه، بل بالقطع مع هذه السجْنية الميدانية: بُمنع الأمن من أن يعمل كفرع مفتوح، ومنع المجزرة من أنْ تتكلم باسم الضبط، ورفض أنْ يكون الجسد السوري قابلًا للاستدعاء أو الفرز أو العقاب خارج قانون واضح.
من دون هذه القطيعة يبقى السجن أكثر من مبنى، يبقى طريقة في الحكم والنظر والإمساك بالناس. قد تنكسر الزنزانة ويسقط اسم الفرع القديم، لكن السجْنية تستطيع أنْ تعود في حاجز أو حملة أو مجزرة أو دفن سريع أو صورة مهرَّبة أو سؤال يقرر مصير جسد كامل. لذلك تبدو السجْنية الميدانية اسمًا لمرحلة لا يكفي فيها أنْ نسأل عن السجون التي بقيت، بل عن الأمكنة المفتوحة التي صارت تعمل بمنطق السجن.