SHARE
التوثيق بعد فتح السجون
حفظ الأدلة في الفترة الفاصلة بين التحرير وبدء المسار القضائي
بقلم فضل عبد الغني
١٥ تشرين الأول، ٢٠٢٦

في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، انهار نظام الأسد، فأُتيح فجأة الوصول إلى أجزاء من منظومة احتجاز ظلت مغلقة لسنوات طويلة. وما نشأ عن هذا الوصول هو حالة طارئة تتعلق بالأدلة، إذ أصبحت المواد المتصلة بالاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز متاحةً في اللحظة ذاتها التي قد تكون فيها أكثر عرضة للضياع أو التبديل أو التلوث. ولهذا، فإنَّ الفترة الفاصلة بين انتهاء سيطرة سُلطة الاحتجاز وبسط جهة تحقيق مختصة ومستقلة سيطرتها الفعلية على المواقع والسجلات والشهود ليست فراغًا قانونيًا ولا مجرد مرحلة تمهيدية عابرة، إذ يتحدد خلالها جانب كبير مما سيظل ممكنًا بعد ذلك.

ينبغي التعامل مع أي موقع احتجاز سابق بوصفه مسرح جريمة محتملًا كلَّما وُجد احتمال معقول لاحتوائه على معلومات ذات صلة بانتهاكات جسيمة. وهذا التوصيف احترازي بطبيعته، وليس حكمًا قضائيًا، ومقتضاه أنْ تكون الأولوية لإنقاذ الأدلة؛ ولكن بعد زوال الخطر المباشر يجب ضبط الدخول إلى الموقع والحركة داخله وتوثيقهما، وتوثيق محتويات الموقع قبل نقل أي شيء منه. وحيثما تستلزم عمليات الإنقاذ نقل مواد أو أشياء، يصبح التدخل ذاته جزءًا من السجل، بما يشمل تحديد من قام به، وما الذي نُقل، وإلى أين. 

ويمكن التنبؤ بالمخاطر، وإنْ تكن بعض الخسائر غير قابلة للتدارك، ومنها الدخول غير المنضبط، إزالة السجلات من جانب أقارب يبحثون عن اسم بعينه أو مِن جهات انتهازية، وكذلك التصوير غير الخاضع للإشراف لملفات الاستجواب وتلك الطبية، والتخزين غير الآمن. وتتعرض الأدلة الرقمية لنوع مختلف من المخاطر، إذ قد يؤدي تشغيل جهاز أو فتح ملف إلى تغيير الطوابع الزمنية، أو الكتابة فوق السجلات، أو تفعيل التشفير أو الحذف عن بُعد. والحفظ لا يعني الجمع العشوائي والشامل؛ فجمعُ كل شيء قد يلوث المواد، ويحجب سياقها، ويخلق أعباء تتجاوز قدرة المؤسسات الانتقالية على الاستيعاب.

الوصول إلى الموقع وإلى أدلة قابلة للاستخدام إنجازان مختلفان. يُبنى التحقق من الأصالة بصورة تراكمية، من خلال توثيق استرداد المادة من موقع معلوم، ومقارنتها بسجلات أخرى، وتعزيزها بأدلة مؤيدة. وقد تكون الوثيقة أصلية لكنَّها غير مكتملة، وقد يخلو سجل حقيقي من بعض الأسماء؛ كما قد تكمن قيمة السجل في مجرد إنشائه أو في تعارضه مع مواد أخرى، لا في صحة ما يتضمنه من محتوى. وسلسلة الحيازة، أي الاستمرارية الموثقة للحيازة والمناولة والنقل والتخزين منذ لحظة الاكتشاف حتى احتمال استخدام المادة قضائيًا، هي التي تُبقي إمكان إجراء هذا التقييم قائمًا. ولا يؤدي انقطاع سلسلة الحيازة تلقائيًا إلى جعل المادة غير قابلة للاستخدام؛ فبحسب النظام القانوني، قد يؤثر ذلك في قبولها، أو أصالتها، أو موثوقيتها، أو وزنها الإثباتي، وتكون الاستجابة السليمة بتوثيق الفجوة والتحقيق في سببها. وسلسلة الحيازة هي من أهم الضمانات التي تتيح لوثيقة تخص أسرة أو لسجل مستعاد الاحتفاظ بالقيمة القانونية.

وينطبق التمييز ذاته على الموتى والمفقودين. فالتعرف على الهوية هو إسناد يمكن الدفاع عنه لهوية شخص، تدعمه أدلة موثوقة وعملية تحليلية موثقة. ويصبح التعرف القائم على المشاهدة أو الافتراض أقل موثوقية ومصداقية بصورة خاصة عندما يكون الرفات متحللًا أو مختلطًا أو مستخرجًا بأعداد كبيرة. وقد يؤدي استخراج الرفات قبل الأوان إلى الإخلال بالعلاقات المكانية، وخلط البقايا البشرية، وإضعاف القدرة على تحديد ما إذا كانت الجثث قد أودعت معًا أو في أوقات مختلفة، كما يزيد خطر تسليم رفات غير صحيح إلى أسرة ما. وقد يدعم التحليل الجيني عملية تحديد الهوية من دون أنْ يثبت ظروف الاختفاء أو مكان حدوثه أو مسؤولية أي شخص عنه. وللأسر مصلحة فورية ومشروعة في الحصول على المعلومات؛ وينبغي لعملية البحث والتقصي أنْ تقبل البلاغ من دون اشتراط تقديم اتهام جنائي أو الإفصاح العلني. كما أنَّ الاستجابة السليمة لهذه المصلحة، من خلال التسجيل والتواصل السري والإفصاح الصادق عن مَواطن عدم اليقين، تسهم أيضًا في حماية الوضع الإثباتي.

والتنسيق مسألة إثباتية، لا إدارية فحسب، ويمكن لهذه المؤسسات أنْ تتعاون تحديدًا لأنَّ وظائفها مختلفة. فالآلية الدولية المحايدة والمستقلة تحفظ الأدلة وتحللها وتُعِد الملفات للولايات القضائية القادرة على إجراء محاكمات عادلة، لكنَّها لا تملك سُلطة توجيه الاتهام أو تنفيذ الاعتقالات. أما المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، وهي آلية أممية، فلها ولاية إنسانية وبحثية للحقيقة ترمي إلى توضيح مصير المفقودين وأماكن وجودهم ودعم أسرهم، ولا تدخل الملاحقة القضائية ضمن ولايتها. وتضطلع لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا بإثبات الوقائع، ولا تُعَد تقاريرها أحكامًا جنائية. أما الهيئة الوطنية للمفقودين، وهي هيئة حكومية سورية أُنشئت بموجب المرسوم رقم ١٩ في أيار/مايو ٢٠٢٥، فلها أساس قانوني وولاية معلنة، غير أنَّ ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها إمكانية الوصول إلى جميع أنحاء البلاد، أو القدرات الجنائية الفنية، أو محفوظات آمنة. وقد تضم منظمات مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان سجلات وشهادات وخيوطًا تحقيقية؛ يتوقف وزنها على المنهجية ومصدرها وشروط الموافقة ومدى الاحتفاظ بالأصول. ويمكن للجمع المجزأ للمواد وتعدد الجهات المتنافسة على حيازتها أنْ يضعفا قابليتها للاستخدام لاحقًا. ويتمثل الضمان في اعتماد إجراءات تجعل عملية الاختيار واضحة وقابلة للتتبع، من خلال معايير منشورة للحفظ، وقوائم جرد للمواقع، وسجلات للنقل، وقواعد تحظر الإزالة من دون تسجيل.

وفي المرحلة الأولى، ينبغي أنْ يكون المبدأ الحاكم هو الحفظ المنضبط: تسجيل الناجين ومقارنتهم مع المختفين قسريًا، وتوثيق الموقع قبل أي حركة غير ضرورية، والإبقاء على السجلات وفق ترتيبها الأصلي، وتسجيل حالات الإزالة الطارئة، وتعليق أي تدخل غير عاجل في مواقع الدفن، وحجب البيانات الشخصية إلى حين مراجعتها.

وفي الأسابيع التالية تصبح المتطلبات ذات طابع مؤسسي: نماذج موحدة للدخول والاسترداد والجرد والنقل؛ وأرشيف يحفظ النسخ الأصلية الرئيسة بصورة منفصلة عن نسخ العمل وتلك النسخ؛ وقناة سرية للإبلاغ متاحة للأسر داخل سوريا وخارجها. أما الضبط الإلزامي للمواد، واستخراج الرفات، وأخذ العينات الجينية بالإكراه، والنقل الدولي للبيانات الشخصية الحساسة، فتتطلب أساسًا قانونيًا، ومراعاة لمبدأ التناسب، وضمانات مناسبة، وقد تتطلب أيضًا، بحسب طبيعة الإجراء والقانون الواجب التطبيق، إذنًا قضائيًا. ولا يشكل غياب المؤسسات العاملة مبررًا للقيام بهذه التدابير على نحو غير رسمي. والهدف الواقعي في هذه المرحلة ليس تحويل مواقع الاحتجاز السابقة إلى قضايا جنائية مكتملة، بل الحفاظ على الخيارات المتاحة: تحديد هوية شخص، وإرجاع الرفات بكرامة، وإعادة بناء مسار الاحتجاز، والتحقق من ادعاء أو دحضه، وإرساء أساس لجبر الضرر، ووضع مواد موثوقة أمام سلطة قضائية مختصة متى توافرت شروط استخدامها. 



SHARE