SHARE
جنْدرة مسارات العدالة الانتقالية في سوريا
نحو عدالة أكثر شمولًا وسلامٍ مستدام
بقلم صباح الحلاق
١٤ أيلول، ٢٠٢٦
عزه أبو ربيعة، «آثر...» (اللوحة 18)، 2017–2018. بإذن من الفنانة
مقدمة

تشكّل العدالةُ الانتقالية إحدى الأدوات الأساسية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المُرتكبة خلال النزاعات المسلحة، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق المصالحة وبناء السلام المستدام. وفي السياق السوري، تكتسب العدالة الانتقالية أهمية خاصة نظرًا إلى حجم الانتهاكات وتعدُد الجهات المسؤولة عنها، وما خلَّفه النزاع من آثارٍ عميقة ومستمرة على النساء والفتيات بصورة خاصة. لذلك، فإنَّ بناء مسار فعّال للعدالة الانتقالية لا يمكن أنْ يتم مِن دون إدماج المنظور الجندري في جميع مراحله وآلياته.

لا تعني جنْدرة العدالة الانتقالية مجرد إضافة نساء إلى هياكل العدالة وآلياتها، وإنما إعادة النظر في مفهوم العدالة نفسه، بحيث يأخذ بعين الاعتبار طبيعةَ الانتهاكات التي تعرَّضت لها النساء، وأشكال العنف القائم على الجندر، والآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الممتدة للنزاع.  كما تقتضي ضمان مشاركة النساء كصاحبات حقوق وصانعات قرار، وليس فقط كضحايا أو مستفيدات من برامج العدالة.

لماذا تحتاج العدالة الانتقالية في سوريا إلى منظور جنْدري؟

أنتجَ النزاع السوري أنماطًا متعددة من الانتهاكات التي طالت النساء بشكل مباشر وغير مباشر، بما فيها العنف الجنسي، الاعتقال، التعذيب، الاختفاء القسري، التهجير، وفقدان أفراد الأسرة، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تحمَّلتها النساء نتيجة النزوح وفقدان مصادر الدخل. كما أنَّ السوريات لم يكنّ فقط ضحايا للنزاع، بل لعبن أدوارًا مهمة في التوثيق والدفاع عن حقوق الإنسان، دعم الناجين والناجيات، العمل المدني وبناء السلام.

ومن هنا، ينبغي أنْ يتضمن أي مسار للعدالة الانتقالية آلياتٍ متخصصة للتعامل مع الانتهاكات المرتبطة بالجندر، وأنْ يضمن بيئةً آمنة تمكِّن النساء من المشاركة في تقديم الشهادات والمعلومات دون الخوف من الوصمة أو الانتقام. كما يجب أن تشمل برامج جبر الضرر الاحتياجات الخاصة للنساء، بما فيها الحقوق الاقتصادية وتلك الخاصة بالمُلكية والسكن والعمل.

مشاركة النساء من مختلف المكونات في آليات العدالة الانتقالية

تُعد المشاركة الفعلية للنساء شرطًا أساسيًا لنجاح العدالة الانتقالية. ويجب ألا تقتصر على تمثيل رمزي أو شكلي، بل تشمل مواقع صنع القرار وصياغة القوانين والسياسات وتصميم المؤسسات والآليات المختلفة؛ وأنْ تكونَ جامعةً للنساء من مختلف القوميات والأديان والطوائف والمناطق والخلفيات الاجتماعية والسياسية في سوريا، بما يعكس التنوع في البلاد ويضمن ألا تُهمَّش تجارب أي مجموعة من النساء.

ويشمل ذلك لجان الحقيقة، آليات المساءلة والملاحقة القضائية، برامج جبر الضرر، الإصلاح المؤسسي، حفظ الذاكرة، والمصالحة المجتمعية. كما ينبغي إيلاء اهتمام خاص بالنساء الأكثر تضررًا من النزاع، وضمان مشاركتهن في تحديد أولويات العدالة وجبر الضرر والسياسات التي تؤثر في حياتهن.

العدالة التحويلية ومعالجة جذور النزاع

لا ينبغي أنْ تقتصرَ العدالة الانتقالية في سوريا على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أو تعويض الضحايا، بل يجب أنْ تتجه أيضًا نحو العدالة التحويلية، أي معالجة البُنى والقوانين والممارسات التي ساهمت في إنتاج العنف والتمييز وإعادة إنتاجه. ويتطلب ذلك إصلاح المؤسسات، مراجعة القوانين والسياسات التمييزية، معالجة أوجه عدم المساواة، وضمان مشاركة النساء بصورة متساوية في الحياة السياسية والعامة.

من هذا المنظور، تصبح جنْدرة العدالة الانتقالية وسيلة لمعالجة جذور النزاع وليس فقط نتائجه، وبناء مؤسساتٍ أكثر عدالة وقدرة على منع تكرار الانتهاكات. كما يمكن للعدالة التحويلية أنْ تربط بين المساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي والمصالحة المجتمعية، بما يساهم في بناء سلام مستدام.

الدروس المستفادة من التجارب المقارنة

تقدِّم التجارب الدولية دروسًا مهمة لسوريا. ففي جنوب أفريقيا ساهمت مشاركة النساء في عمل لجان الحقيقة والمصالحة في لفت الانتباه إلى العنف الجنسي وذاك القائم على الجندر، وإنْ كانت التجربة واجهت أيضًا انتقادات بسبب محدودية معالجة بعض تلك الانتهاكات.

أما رواندا، فقد أثبتت أهمية المشاركة السياسية للنساء في مرحلة ما بعد النزاع بحيث أصبحت نموذجًا عالميًا في ارتفاع نسبة تمثيل النساء في البرلمان، إذ صارت مشاركتهن واحدة من أعلى النسب في العالم، وهو ما يبرز أهمية السياسات والآليات المؤسسية التي تتيح للنساء الوصول إلى مواقع صُنع القرار. ويمكن الاستفادة من هذه التجربة مع مراعاة خصوصية السياق السوري.

وفي المنطقة العربية يقدِّم المغرب تجربة مهمة عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، وخاصة من خلال الاعتراف ببعض الانتهاكات التي تعرَّضت لها النساء وإدماج القضايا الجنْدرية في مسار جبر الضرر. وهذه التجربة يمكن الاستفادة منها أيضًا.

دور الحركة النسوية السورية

تمتلك الحركة النسوية السورية خبرةً طويلة في الدفاع عن حقوق النساء وتوثيق الانتهاكات والمشاركة في عمليات بناء السلام. إلا أنها تواجه تحدياتٍ متعددة، من بينها ضعف المشاركة النسائية في مواقع القرار، الاستقطاب السياسي، القيود المجتمعية، ونقص الموارد، إضافة إلى خطر التعامل مع مشاركة النساء باعتبارها مسألة تمثيل عددي لا غير.

وفي المقابل، تتيح المرحلة الحالية فرصة لإعادة صياغة دور الحركة النسوية بوصفها شريكًا أساسيًا في تصميم العدالة الانتقالية تنفيذها، لا أنْ تكون مجرد جهة استشارية. ويتطلب ذلك دعم قدرات المنظمات النسوية وضمان وصولها إلى المعلومات والموارد، وإشراكها بصورة مؤسَسية في عمليات صنع القرار، مع ضمان تمثيل التنوع القومي والديني والطائفي والمناطقي للنساء السوريات.

خاتمة وتوصيات

إنَّ جندرة العدالة الانتقالية في سوريا ليست مسألة تتعلق بالنساء وحدهن، وإنما هي شرط لتحقيق عدالة شاملة ومستدامة. فالعدالة التي لا تعترف بالآثار المختلفة للنزاع على النساء، ولا تضمن مشاركتهن الفعلية والمتنوعة، عدالة ناقصة.

وعليه، توصي الورقة بضمان تمثيل نسائي فعّال وشامل في جميع هيئات العدالة الانتقالية، بحيث تشارك فيها النساء من مختلف القوميات والأديان والطوائف والمناطق، وإدماج المنظور الجندري والعدالة التحويلية في التشريعات والسياسات، وتطوير برامج جبر ضرر تراعي احتياجات النساء، وضمان المساءلة عن العنف القائم على الجندر، ودعم مشاركة المنظمات النسوية السورية في صنع القرار. كما توصي بتوثيق تجارب النساء وحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزيز التعاون بين الحركة النسوية السورية والمؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية.

إنَّ بناء سلام مستدام في سوريا يتطلب معالجة جذور العنف والتمييز، وإعادة بناء المؤسسات على أساس المساواة وعدم التمييز، والاعتراف بالنساء باعتبارهن فاعلات أساسيات في العدالة والسلام، وليس ضحايا للنزاع فحسب.



SHARE